بسم الله الرحمن الرحيم
عندما وطئت قدماي أرض عيونستان منذ سنوات، وبحكم المواطنة، تعاملت مع بعض سكانها الأصليين. فوجدت لبعضهم عادةً عجيبةً عند التعارف يقسِّمون بها الناس إلى طوائف وشيَع. وليس هذا أمراً غريباً، فالله قد خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وليتمايز بعضهم من بعض، فهذا عربي وذاك أعجمي، وهذا مصري وذاك شامي، وهذا من بني فلان وذاك من بني فلان، وهؤلاء من أهل الحضر وأولئك من أهل البادية. ولكن الأمر الغريب الذي استوقفني هو أنني وجدت لهم تقسيمًا آخر ينقسم الناس فيه عندهم إلى عيونستاني وغير عيونستاني، وبعبارة أخرى إلى كفيف ومبصر. فكم مرة سمعتُ هذا السؤال: أكفيف هو أم مبصر؟ وربما أعادوا صياغته صياغة مختلفة فقالوا: أمبصر هو أم كفيف؟!
والحق، أن هذا التقسيم ليس معتمدًا لدى كل أهل عيونستان، فكثير منهم لا يعنيه أن يعرف إن كان الإنسان كفيفًا أو مبصرًا، ولكن كثيرًا منهم كذلك حريص على هذه المعرفة، لا رغبةً في التمييز ضد هذا الفريق أو ذاك، ولكنْ ليخاطب كل قوم بلسانهم وليفقه عنهم ما يقولون. فليس من الحكمة أن يأخذك الحديث مع إنسان في أودية عيونستان وسهولها فتميل به مرةً إلى الحديث حول نظام الكتابة البارزة سائلًا إياه عن طابعة بريل جيدة في أدائها رخيصة في سعرها، ثم تنحدر به فجأةً فتسأله أن يريك عصاه البيضاء ومن أين اشتراها، فتجد الرجل متلعثمًا متلجمًا يقول لك بعد أن ابتلع ريقه: والله يا أخي ما أفقه كثيرًا مما تقول!
وليس من الحكمة كذلك أن تجلس أختنا العيونستانية إلى صاحبتها من غير أن تتبين جلية أمرها فتسألها قائلةً: أيهما أفضل الهال أم الجوز؟ فتنطلق صاحبتها المتبحرة في علوم الطبخ مستنكِرةً: ما العلاقة بين الهيل والجوز؟! فلكلٍّ منهما مكانه في الطبخ الذي لا يصلح فيه صاحبه! ثم أي أنواع الجوز تقصدين: جوز الهند، أم الجوز الذي هو قريب اللوز؟
ولست أدري كيف أخذني هذا التقسيم الثنائي إلى زاوية أخرى بعيدة من تراثنا الإسلامي والعربي فذكَّرني بتقسيم ثنائي آخر. ذكَّرني بمدينتي البصرة والكوفة وما كان بينهما من سجال خاصةً في مجال النحو العربي والخلاف بين مذهب البصريين ومذهب الكوفيين في هذه المسألة النحوية أو تلك. فلما وضعتُ التقسيمين إزاء بعضهما، أخذتني الدهشة لهذه المفارقة العجيبة بينهما من حيث التقابل ومن حيث اللفظ. فمن حيث التقابل: كلاهما تقسيم ثنائي لا يُذكَر فيه أحد فردي التقسيم إلا وذكِر معه صاحبه، أو على الأقل استدعته الذاكرة. ومن حيث اللفظ فالأمر لا يخفى على أُذنيك! فهل يخفى هذا التجانس الصوتي وتلك المُشاكلة اللفظية بين البصرة والكوفة من ناحية، والبصَر والكف – أعني كف البصَر – من ناحية أخرى، ثم بين البصريين والكوفيين من ناحية، والمبصرين والمكفوفين من ناحية أخرى. كل هذا مع اختلاف الأصل اللغوي لهذه الكلمات، فلا البصرة مأخوذة من البصَر، ولا الكوفة مأخوذة من الكف!
فلما تفكرتُ في الأمر، قلت: لماذا لا يستثمر العيونستانيون هذه المفارقة، فَيُورُّون بها عند السؤال؟ فبدلًا من أن يسأل العيونستاني مُواطنَه العيونستاني الآخر عن هذا الإنسان أو ذاك: أكفيف هو أم مبصر؟ بدلًا من هذا السؤال، يستطيع أن يسأله: أمِن البصْريين هو أم من الكوفيين؟
وفي ختام حديثي أسأل الله أن ينفعني به وإياكم.